Overblog Tous les blogs Top blogs Politique Tous les blogs Politique
Editer l'article Suivre ce blog Administration + Créer mon blog
MENU

الحكمة العربية في زمن الفخاخ الكبرى

11 Mars 2026 , Rédigé par Jamel BENJEMIA جمال بن جميع

الحكمة العربية في زمن الفخاخ الكبرى

بقلم جمال بن جميع 

في لحظةٍ يتكاثف فيها الضجيج السياسي وتتشابك المصالح كما تتشابك خيوط ليل ثقيل، يخرج صوتٌ من ذاكرة الدبلوماسية الخليجية ليعيد ترتيب المشهد. حديث وزير الخارجية القطري الأسبق حمد بن جاسم لم يكن مجرد تعليق عابر على توترٍ إقليمي؛ بل بدا أقرب إلى قراءةٍ باردة لمسرحٍ تتحرك فيه القوى الكبرى بأدواتٍ لا تُرى كلها في العلن. كلمات قليلة، لكنها تحمل خلفها تاريخاً من التجارب السياسية، ومن فهمٍ لطبيعة  التوازنات التي تحكم هذه المنطقة المتعبة من الصراعات

بين الحكمة والانفعال

في الشرق الأوسط، كثيراً ما تتحرك السياسات تحت ضغط اللحظة. الغضب يسبق التفكير، والاصطفاف يسبق الحساب. غير أن التجربة علمت العرب درساً قاسياً: الحروب التي تُخاض نيابةً عن الآخرين نادراً ما تنتهي بانتصار أصحاب الأرض

من العراق إلى سوريا، ومن ليبيا إلى اليمن، يتكرر المشهد ذاته: قوى كبرى تدير اللعبة من بعيد، بينما تتحمل المنطقة وحدها كلفة الدم والخراب

في هذا السياق، تبدو الفكرة التي طرحها بن جاسم أقرب إلى تحذير استراتيجي منها إلى موقف سياسي عابر. فالتورط في حربٍ مفتوحة مع إيران لا يعني مجرد مواجهة عسكرية؛ بل يعني فتح أبواب استنزاف طويل قد يبتلع ثروات المنطقة واستقرارها في آنٍ واحد

منطق الاستنزاف في السياسة الدولية

السياسة الدولية لا تُدار بالعواطف. القوى الكبرى تفكر بمنطق المصالح الباردة. وفي كثير من الأحيان، تتحول الحروب الإقليمية إلى ساحات اختبار أو إلى أسواق للسلاح أكثر منها معارك حقيقية لحسم الصراعات

عندما تشتعل مواجهة بين قوتين إقليميتين، فإن المستفيد الأول غالباً ليس أيّاً منهما، بل الأطراف التي تراقب من الخارج وتبيع أدوات القتال للطرفين. وهنا يكمن جوهر التحذير: أن تتحول المنطقة إلى ساحة صراع طويل، يربح فيه البعيدون بينما يخسر القريبون كل شيء

الموقف العربي الممكن

إذا كان في التاريخ درسٌ واضح، فهو أن الانقسام العربي كان دائماً الباب الذي تدخل منه المشاريع الخارجية. لذلك فإن أول ما يحتاجه الموقف العربي اليوم ليس الاصطفاف العسكري، بل بناء رؤية سياسية مشتركة   تقوم على ثلاث ركائز أساسية

:

أولاً: تجنب الانجرار إلى الحروب الكبرى
الحروب الشاملة في المنطقة لن تنتج منتصراً حقيقياً. إنها ببساطة تفتح دوامة من الفوضى يصعب إغلاقها

ثانياً: تفعيل الدبلوماسية الإقليمية
بدلاً من تحويل الخلافات إلى جبهات قتال، يمكن تحويلها إلى مسارات تفاوض. الحوار بين القوى الإقليمية ـ مهما بدا صعباً ـ يظل أقل كلفة من الحرب

ثالثاً: بناء استقلالية القرار العربي
كلما ارتبط القرار الأمني العربي بإرادة القوى الكبرى، أصبح أكثر عرضة لأن يُستخدم في صراعات لا تخدم مصالح المنطقة

بين الواقعية والحلم

ربما يبدو الحديث عن موقف عربي موحد ضرباً من المثالية في عالمٍ تتصارع فيه المصالح. غير أن الواقعية السياسية لا تعني الاستسلام لمنطق الصراع الدائم، بل تعني إدراك أن أمن المنطقة لا يمكن أن يبنى فوق رماد حروب جديدة

إن الحكمة السياسية، في لحظات الاحتقان الكبرى، ليست في إطلاق الشرارة الأولى؛ بل في معرفة متى يجب إطفاء النار قبل أن تلتهم الجميع

ولعل الرسالة الأعمق في كلام حمد بن جاسم تكمن هنا تحديداً
أن المنطقة، بعد عقود من النزاعات، لم تعد تحتمل حرباً أخرى تُدار من الخارج وتُدفع أثمانها من الداخل

في عالمٍ تحكمه المصالح الصلبة، يبقى السؤال العربي الأكبر بسيطاً في صياغته عميقاً في معناه

:
هل نتعلم أخيراً أن قوة المنطقة ليست في حروبها، بل في قدرتها على تفاديها؟

فالتاريخ، في نهاية المطاف، لا يخلّد الذين أشعلوا المعارك… بل أولئك الذين امتلكوا شجاعة تجنبها
جمال بن جميع

Partager cet article

Repost0
Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :

Commenter cet article